أحمد بن محمد المقري التلمساني
150
نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب
قبره عند انفصالهم من مصلاهم ، واختيالهم بزينتهم حلاهم ، وقال بعد أن طاف بقبره والتزمه ، وخرّ على تربه ولثمه : [ الكامل ] ملك الملوك ، أسامع فأنادي * أم قد عدتك عن السماع عوادي لمّا خلت منك القصور فلم تكن * فيها كما قد كنت في الأعياد قبّلت من هذا الثرى لك خاضعا * وتخذت قبرك موضع الإنشاد « 1 » وهي قصيدة أطال إنشادها ، وبنى بها اللواعج وشادها ، فانحشر الناس إليه وانحفلوا ، وبكوا ببكائه وأعولوا ، وأقاموا أكثر نهارهم مطيفين به طواف الحجيج ، مديمين للبكاء والعجيج ، ثم انصرفوا وقد نزفوا ماء عيونهم ، وأقرحوا مآقيهم بفيض شؤونهم ، وهذه نهاية كل عيش ، وغاية كل ملك وجيش ، والأيام لا تدع حيّا ، ولا تألو كلّ نشر طيّا ، تطرق رزاياها كل سمع ، وتفرق مناياها كل جمع ، وتصمي كلّ ذي أمر ونهي « 2 » ، وترمي كل مشيد بوهي « 3 » ، ومن قبله طوت « 4 » النعمان ابن الشقيقة ، ولوت مجازه في تلك الحقيقة . انتهى ما قصدنا جلبه من كلام الفتح ممّا يدخل في أخبار المعتمد بن عباد المناسبة لما مرّ . وكلام الفتح كلّه الغاية ، وليس الخبر كالعيان ، ولذا قال بعض من عرّف به : إنه أراد أن يفضح الشعراء الذين ذكرهم في كتبه بنثره ، سامحه اللّه تعالى ! وأخبار المعتمد رحمه اللّه تعالى تحتمل مجلّدات ، وآثاره إلى الآن بالغرب مخلّدات ، وكان من النادر الغريب قولهم في الدعاء للصلاة على جنازته « الصّلاة على الغريب » بعد اتّساع ملكه ، وانتظام سلكه ، وحكمه على إشبيلية وأنحائها ، وقرطبة وزهرائها ، وهكذا شأن الدنيا في تدريسها نحو ندبتها وإغرائها . وقد توجّه لسان الدين الوزير بن الخطيب إلى أغمات لزيارة قبر المعتمد رحمه اللّه تعالى ، ورأى ذلك من المهمات ، وأنشد على قبره أبياته الشهيرة التي ذكرتها في جملة نظمه الذي هو أرقّ من النسيم ، وأبهج من المحيّا الوسيم . [ زيارة لسان الدين لقبر المعتمد ] قلت : وقد زرت أنا قبر المعتمد والرّميكية أمّ أولاده ، حين كنت بمراكش المحروسة عام عشرة وألف ، وعمّي عليّ أمر القبر المذكور ، وسألت عنه من تظن معرفته له ، حتى هداني إليه
--> ( 1 ) في ب ، ه : « قبلت في هذا الثرى » . ( 2 ) تصمي : تصيب وتقتل . ( 3 ) الوهي : الشق في كل شيء . ( 4 ) في ه : « ومن قبله ماطوت النعمان . . . » .